أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

518

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

رزقا غير حساب ، أي : غير ذي حساب ، أي : أنه لا يحسب ولا يحصى لكثرته ، فيكون في محلّ نصب على أنه نعت لمصدر محذوف ، والباء زائدة . وإذا تعلّق بالفاعل كان من صفات الفاعلين ، والتقدير : واللّه يرزق غير محاسب بل متفضلا أو غير حاسب ، أي : عادّ . ف « حساب » واقع موقع اسم فاعل من حاسب أو من حسب ، ويجوز أن يكون المصدر واقعا موقع اسم مفعول من حاسب ، أي : اللّه يرزق غير محاسب أي : لا يحاسبه أحد على ما يعطي ، فيكون المصدر في محلّ نصب على الحال من الفاعل ، والباء فيه مزيدة . وإذا تعلّق بالمفعول كان من صفاته أيضا والتقدير : واللّه يرزق من يشاء غير محاسب أو غير محسوب عليه ، أي : معدود عليه ، أي : إنّ المرزوق لا يحاسبه أحد ، أو لا يحسب عليه أي : لا يعدّ . فيكون المصدر أيضا واقعا موقع اسم مفعول من حاسب أو حسب ، أو يكون على حذف مضاف أي غير ذي حساب أي : محاسبة ، فالمصدر واقع موقع الحال والباء أيضا زائدة فيه ، ويحتمل في هذا الوجه أن يكون المعنى أنه يرزق من حيث لا يحتسب ، أي : من حيث لا يظنّ أن يأتيه الرزق ، والتقدير : يرزقه غير محتسب ذلك ، أي : غير ظانّ له ، فهو حال أيضا . ومثله في المعنى وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ « 1 » . وكون الباء تزاد في الحال ذكروا لذلك شرطا - على خلاف في جواز ذلك في الأصل - وهو أن تكون الحال منفيّة كقوله : 924 - فما رجعت بخائبة ركاب * حكيم بن المسيّب منتهاها « 2 » وهذه الحال - كما رأيت - غير منفية فالمنع من الزيادة فيها أولى . وأمّا وجه عدم الزيادة فهو أن تجعل الباء للحال والمصاحبة ، وصلاحية وصف الأشياء الثلاثة - أعني الفعل والفاعل والمفعول - بقوله : « بغير حساب » باقية أيضا ، كما تقدّم في القول بزيادتها . والمراد بالمصدر المحاسبة أو العدّ والإحصاء أي : يرزق من يشاء ولا حساب على الرزق ، أو ولا حساب للرازق ، أو ولا حساب على المرزوق ، وهذا أولى لما فيه من عدم الزيادة ، التي الأصل عدمها ولما فيه من تبعيّة المصدر على حاله ، غير واقع موقع اسم فاعل أو اسم مفعول ، ولما فيه من عدم تقدير مضاف بعد « غير » أي : غير ذي حساب . فإذا هذا الجارّ والمجرور متعلّق بمحذوف لوقوعه حالا من أي الثلاثة المتقدّمة شئت كما تقدّم تقريره ، أي : ملتبسا بغير حساب . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 213 ] كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 213 ) قوله تعالى : مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ : حالان من « النبيين » . قيل : وهي حال مقارنة ، لأنّ بعثهم كان وقت البشارة والنّذارة . وفيه نظر ، لأنّ البشارة والنّذارة بعد البعث . والظاهر أنها حال مقدّرة . وقد تقدّم معنى البشارة

--> ( 1 ) سورة الطلاق ، آية ( 3 ) . ( 2 ) تقدم .